مع كل مسألة تتجدد في مجتمعنا .. و مع كل فورة وموجة يتوجة نحوها الناس .. ومع كل قضية أرى أن شباب الوطن نفض عنه غبار الكسل من أجل نصرتها .. أجدني أعيد على نفسي.. ذات السؤال:ـ
هل الفعل الصحيح هو أن أسير مع الأكثرية ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشتكي في كثير من الأحيان من عملية الأدلجة التي تعرض لها المجتمع خلال الـ 20 سنة الماضية.. وكيف أن كثير من أرائنا وأفكارنا تأثرت بجوانب لا تخصنا كثيراً بقدر ما تخص غيرنا .. وكيف أننا سحبنا نحو التشدد في كثير من المسائل .. والغلو في تجميد وتقديس الكثير من الشخصيات .. لا مشكلة عندي مع هذا الإدعاء
السؤال هو .. هل ينتقل المجتمع من أدلجة إلى أدلجة؟ .. وهل نعي أننا ننتقل من أدلجة (الكاسيت) .. إلى أدلجة (تويتر .. فيسبوك)؟ .. وهل ندرك أننا نقوم بتأجير عقولنا مرة بعد أخرى؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتابة على الجدران !!؟
لم يكن يتصور أحد أن نموذج الكتابة على الجدران سيصبح نمطاً ثقافياً .. لكن بلا شك .. بإستطاعة التقنية أن تقلب كل المفاهيم .. وأصبحت الكتابة على الجدران أسلوباً ثقافيا بل وحقوقياً أيضا
وأصبحت العبارات المجتزئة والمختزلة عناوين فكرية، فلسفية،وحقوقية .. بل وتجديدية .. وما هي إلا معاني عامة براقة بعيدة عن أي جهد فكري مؤصل أو أعمال لها أثر ملموس .. فأنا أحترم أي عمل نقدي واضح يحترم فيه الناقد عقل المتلقي .. فيكتب بحثا أو مقالة مطولة يشرح فيها أفكارة و نقدة.
لكنني لا أستوعب كيف أن قامات فكرية و شرعية بل وحقوقية .. تطلق العبارات الصدامية .. والتي يتوجب على المنصف إطلاقها بعد عملية بحثية عميقة .. بدون شرح ولا تبيان للوازم الإطلاق و لمحدداتة وأسبابة .. ثم هو فوق هذا كل لا يناقش و لا يسمح لأحد أن يناقشة .. هو فقط يريد أن يطلق عبارةً ما .. لا ليؤسس عملا أو فكرة .. وإنما ليفرغ رأياً داخلياً لم يعطنا علامة واحدة أنه أقام بحثاً أو بحوثاً حتى وصل لرأية
هل تتذكرون العبارة الشهيرة التي إنتشرت في شوارع و جدران مدينة الرياض؟ …. (إنتخبوا أم علي) …….. إننا اليوم أمام شيء شبية بتلك العبارة لكن كلٌ يغني على ليلاه في جدران الفيسبوك و تويتر .. الرابط بين كل تلك العبارات هو وجود عبارات تحمل معانٍ كبيرة بشروح صغيرة
ثم تجد حشود المؤدلجين الجدد (مؤدلجي تويتر-فيسبوك) تتوافد لتبارك العبارة ومعانيها .. وفي المقابل يهب المؤدلجين التقليديين (مؤدلجي الكاسيت) للإنكار على صاحبها .. ثم يحصل إشتباك مؤدلج يشبة بدرجة كبيرة النزاعات بين شباب الحواري .. وكل طرف يتعامل بطريقة شوارعية مع الأخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل تحترم عقلك !؟ … على الأقل إحترم عقلي !؟
كانت الأدلجة تتم سابقا بصور متعددة على سبيل المثال قد تكون محاضرة مسجلة في كاسيت أو درس في مسجد أو مقال في مجلة … ما يعني أن المرسل كان يعد مادة (بغض النظر عن جودتها) مدتها ساعة أو أكثر يقدمها للمتلقي وغالباً ما يكون قد قضى ضعفين الوقت في إعداد المادة المقدمة … في حين أن الأدلجة هذه الأيام تتم بـ 140 حرف أو بمساحة الستاتيوس .. وفقاً لعبارات غامضة ومجتزئة .. فيها حق كبير لكن تحوي إختصاراً مخلاً .. فهل أصبحت عقولنا سهلة الإختراق إلى هذه الدرجة ؟
وقد جلست فترة طويلة أتأمل المشهد بشكل عام ما هي العوامل التي تحفز المتلقين للإستجابة .. وكيف يرضى أحد ما يتم أدلجته بهذه السهولة؟
العامل المتكرر في كلا النوعين ليس مدى القناعة أو صدق الطرح او نجاعة الأسلوب .. العامل المؤثر هو الكثرة .. وقناعتي أن كل العوامل الأخرى هي مكملة فقط لموضوع (الكثرة) .. وبناءً عليه فإن ما يسير عليه الأشخاص هو بشكل أو بآخر متأثر بمسألة الموضة و السائد .. أكثر من تحقيق المسألة وبحثها
والعقلية المعتادة على التقليد .. ستقلد حتى في نبذ التقليد .. والأسهل على عموم الناس (حتى من يدعي الثقافة منهم) هو تقليد السائد .. وقد قلتها قديماً : (إننا نتجة من التقليد بدليل .. إلى تقليد بدون دليل)… أي أننا فعلياً لم نتغير كثيراً من حيث التكوين العقلي والمنطقي .. كل ما في الموضوع أننا ركبنا موجة سائدة في رفض الوضع القائم .. لنتحول في المستقبل إلى حراس لذات الموجة ضد أي تحديث قادم.
ولمن لا يصدق وقوعنا تحت موجة أدلجة أليكترونية .. أقول له تأمل الساحة .. تأمل مثلاً أخر قضية مطروحة (قضية الأخت سمر رفع الله كربتها) .. ستجد أنك تتابع عقول من (كل الإتجاهات)ـ يتم لها عملية غسل مركزة للإيمان برأي معين تحت تأثير الكثرة والأغلبية .. وبناءً عليه فإن صاحب أي رأي مخالف لن يستطيع إبداء رأية .. وإذا أبدى رأياً مخالفاً فإن مئات المحتسبين (أقصد المحتسبين الجدد _ الذين هم في الأصل ينقدون الإحتساب) ينكرون عليه رأية ، ويكثرون عليه الأسئلة ، بل ويتهمونة بالتخاذل و الخوف !!؟
إننا بلا شك أمام ذات الأليات .. فكما أن كثير من القضايا في التيار الديني .. كانت تنتشر بناء على قاعدة (حدثنا أخ ثقة) .. فإننا اليوم أمام أسلوب (حدثنا متوتر أو مدون ثقة) وبذات الطريقة تأخذ القضايا بعداً جماهيريا .. بعيداً عن التحقق والتثبت ، إن ما ينقصنا في كثير من الأحيان هو سؤال واحد فقط … هل ما نقوله هنا حقيقة .. أم أنني سأكون حطباً لنار غيري؟
بل وحتى أساليب التعامل مع المخالف .. أصبحت بأسلوب إن لم تكن معي فأنت ضدي !؟ .. و أصبحنا نرى هجوما على كل مخالف و إنكارا لرأية و (إحتسابا) جماعيا على أفكارة .. وقد يصل الأمر إلى المقاطعة أو التهديد بها !؟ … إذا نحن أمام ذات الآلية … وهي أسلوب حرق المخالف … وقد نتفق أن الإنكار لا يصل إلى أن يكون بألفاظ سوقية .. لكن مرد هذا في رأيي ليس لقيمة أخلاقية .. بقدر ما هي للحفاظ على صورة شخصية ..خصوصا أن الأشخاص يتحدثون بهوياتهم المعروفة.
أنا حقيقة لا أرى أي فرق .. الجميع بالنسبة لي هم مثل بعضهم .. المسألة ليست مبادئ معلنة .. أكتبها أمام الناس في 140 حرف .. المسألة تطبيق المبادئ المكتوبة .. فمهما نظر الناس إلى مبادئي المعلنة وقدروها وبجلوني لأجلها .. فإنني سأقف أمام حقيقة ثابتة وهي أن قيمتي الحقيقية .. هي ما أشعر به عن نفسي في خلواتي
فلا تنشروا المزيد من العبارات المبهرة الجوفاء .. وثقوا بأن إبليس ليس بحاجة للمساعدة … فدعوا ما للشيطان للشيطان
يتبع